الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
234
مناهل العرفان في علوم القرآن
بهذه الشهادة ينجح العالم كله شهادة هذا شأنها ، وهذا شأن من شهد بها ، جديرة أن ينجح بها العالم حين يتلقاها بالقبول ، كما يتلقى بالقبول شهادة لجان التحكيم في هذا العصر ، ثقة منه بأنهم فنيون يحسنون المقارنة والموازنة ، واطمئنانا إلى أنهم عادلون لا يعرفون المحاباة والمداهنة . بل شهادة أولئك العرب أزكى وأطهر ، وأحكم وأقوم ؛ لأنها صدرت عن أعداء القرآن حين نزوله ، بعد محاولات ، ومصاولات ، مخضتهم مخضا عنيفا ، وأفحمتهم إفحاما سريرا . « والفضل ما شهدت به الأعداء » . أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي ومما يفيد في هذا المقام ويدفع التلبيس ، أن تعرف بعد ما بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي الشريف . ولا أدل على ذلك من أن بين يدي التاريخ إلى يوم الناس هذا آلافا مؤلفة من كتب السنة ، تملأ دور الكتب في الشرق والغرب ، وتنادى كل من له إلمام وذوق في البيان العربي : أن هلم لتحس بحاستك البيانية ، المدى البعيد بين أسلوبى القرآن والحديث ، ولتؤمن عن وجدان بأن أسلوب التنزيل أعلى وأجل من أسلوب الأحاديث النبوية ، علوا خارقا للعادة ، خارجا عن محيط الطاقة البشرية ، وإن بلغ كلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم في جودته وروعته وجلالته ، ما جعله خير بيان لخير إنسان . غير أن هذه الفوارق - كما قلنا - فوارق فنية لا يدركها إلا الذين أوتوا حظا عظيما من معرفة اللسان العربي والذوق العربي . ولقد نزل القرآن أول ما نزل ، على أمة العرب وهم مطبوعون على اللغة الفصحى ، منقطعون لإحيائها وترقيتها . وكانوا يتفاضلون بينهم بالتفوق في علو البيان وفصاحة اللسان ، حتى بلغ من تقديسهم لهذا أنهم كانوا يقيمون المعارض العامة للتفاخر والتفاضل بفصيح المنظوم وبليغ المنثور ، وحتى إن القبيلة كان يرفعها بيت